الشيخ محمد رضا مهدوي كني

180

البداية في الأخلاق العملية

والآيات وأخبار العامة والخاصة ، متواترة في هذا المضمار . لكن الموضوع الذي لا بد من بحثه هو : هل يعدّ الكذب ، من المعاصي الكبيرة بالذات وبشكل مطلق ، أم يعدّ كذلك من خلال عروض بعض العناوين وفي ظل ظروف خاصة ؟ ويرى المرحوم الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري والأستاذ الكبير الامام الخميني قدس اللّه سرّه الشريف انّ القدر المتيقن من الأخبار انّ بعض أنواع الكذب كالكذب على اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة عليهم السّلام ، وشهادة الكذب ، والتهمة - باعتبارها من مصاديق الكذب - والافتراء ، والفتوى بدون علم ، والأكاذيب المثيرة للفتن ، هي من المعاصي الكبيرة ، وما عداها فهي من المعاصي الصغيرة « 1 » ، ما لم يتحول الكذب بفعل التكرار إلى عادة وطبيعة ثانوية بحيث تنشأ مصاديق الكذب من ملكة الانسان وخلقه وطبعه . ويعدّ الكذب في مثل هذه الحالة من المعاصي الكبيرة ، لكن ليس بفعل الاصرار والتكرار - كما هو الحال في سائر الذنوب الصغيرة - وانما لتحوله إلى رذيلة نفسانية « 2 » . وما ذهب اليه هذان الفقيهان الكبيران ، هو تحقيق فقهي يحظى بالتوجه والاهتمام في موضعه المناسب ، إلّا انه خارج عن موضوع بحثنا هذا ، ولكن يجب عدم تجاهل هذه النقطة الأخلاقية المهمة وهي انّ الكذب ، قبيح مطلقا من وجهة النظر الأخلاقية ، ولا بد من تجنبه تماما ، عدا في حالات الضرورة . ولا يمكن القول بأنّ معصية الكذب ذات درجة واحدة في جميع أنواعه ومصاديقه ، ومع ذلك لا يصح أيضا مقارنته ببعض الذنوب الصغيرة أو عدّه من السيئات التي يمكن تجاهلها ، انما هو من وجهة النظر الأخلاقية ، ذنب كبير باعتباره خلاف الواقع والحقيقة واعتقاد القائل ، في طبيعته وذاته ، وعلامة من علائم النفاق . من هنا ، لا يبعث تردد هذين الفقيهين الكبيرين في كبر معصية بعض مصاديق الكذب ، على تجرؤ البعض على استصغار الكذب في الظروف العادية وتلويث

--> ( 1 ) المكاسب المحرمة للشيخ الأنصاري والمكاسب المحرمة للامام الخميني ، ج 2 ، ص 72 . ( 2 ) قد يقال إن الاصرار على الذنوب الصغيرة ، يحسب من الذنوب الكبيرة لأنه كاشف عن خبث السريرة وروح التمرد لدى الانسان ، ولذلك لا فرق بين الكذب وسائر المعاصي على هذا الأساس .